المؤسس و حروب البلقان

لاشك بأن المتغيرات السياسية التي حدثت في عاصمة الدولة العثمانية خلال السنوات الأولى من القرن العشرين وقبل الحرب العالمية الأولى من إعلان النظام الدستوري في عام 1908 وخلع السلطان عبدالحميد الثاني في عام 1909 ووصول جمعية الاتحاد والترقي إلى السلطة والاحتلال الإيطالي لليبيا، وبعدها حروب البلقان كانت لها انعكاسات كبيرة في الولايات العربية العثمانية. ولقد برز موقف الشيخ جاسم بن محمد بن ثاني من حروب البلقان من خلال المشاركة والمساهمة المباشرة بدعم حملة الإعانات الحربية لصالح الدولة العثمانية، فقد لبى الشيخ جاسم دعوة السيد طالب النقيب مبعوث ولاية البصرة لمجلس المبعوثان العثماني، وناظر لجنة الإعانات الحربية في البصرة خلال حروب البلقان، فتبرع بمبلغ قدره 25 ألف روبية أي ما يعادل 1832 ليرة عثمانية للمجهود الحربي العثماني.

وفي هذا الصدد، فقد أرسل الشيخ جاسم بتاريخ 10 مارس 1913 تلغرافا مختصراً إلى وزارة الداخلية العثمانية يوضح دعمه للدولة العثمانية بالمال في حربها ضد دول البلقان جاء فيه: «بناءً على تشويقات عطوفيت السيد طالب بك ناظر قومسيون إعانات الحربية في البصرة، قدمنا ألف وثمانماية واثنين وثلاثين ليرة عثمانية، المرجو عرض ذلك لأعتاب الخلافة الإسلامية».

وقد أيد السيد طالب النقيب موقف الشيخ جاسم وأهالي قطر ذوى الحمية في المساهمة بجمع الإعانات الحربية بتلغراف أرسله هو الآخر في نفس التاريخ وباللغة التركية إلى وزارة الداخلية العثمانية، راجيا إياها بذل المساعي اللازمة لاستصدار التقدير المناسب من مقام السلطان للشيخ جاسم تكريماً لموقفه ومساهمته في هذا المجال.

ولعل من أبرز نتائج حروب البلقان في منطقة الخليج عامة وفي قطر خاصة هو اضطرار الدولة العثمانية إلى تسوية الخلافات السياسية العالقة مع بريطانيا في خليج البصرة والتخلي عن سيادتها على قطر والكويت من خلال عقد اتفاقية لندن بتاريخ 29 تموز 1913 في وقت كانت الدولة العثمانية تخوض فيه حروب البلقان وفي ظروف كانت قطر ومنطقة الخليج تشهد ذروة التنافس السياسي بين بريطانيا والدولة العثمانية.

وعلى الرغم من تعهد الدولة العثمانية بالانسحاب من قطر وفق الاتفاقية المذكورة، إلا أنها استطاعت أن تجعل بريطانيا توافق على إبقاء إدارة قطر كما كانت بأيدي الشيخ جاسم بن محمد بن ثاني وأبنائه من بعده وفي الختام وفي صدد شخصية الشيخ جاسم بن محمد بن ثاني ومواقفه من الأحداث التي عاصرها يمكن القول بأن المؤرخين قد يختلفون في تحليلهم لمواقف الشيخ جاسم طوال حياته من المتغيرات السياسية والعسكرية التي وقعت في قطر والمنطقة نتيجة اختلاف مصادر المؤرخين وخلفياتهم الثقافية والفكرية.

ولكن ما لا يختلف عليه اثنان من المؤرخين هو أنهم أمام شخصية قيادية تاريخية قطرية قوية مؤمنة حريصة على الجامعة الإسلامية، مؤثرة في مجريات الأحداث في عصره سواء على الصعيد المحلي او الإقليمي وفي قرارات القوى العظمى التي كانت لها صلات مباشرة بقطر وبالمنطقة خلال عهده.