تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

مادة منقولة من بحث بعنوان علاقة الشيخ جاسم بن محمد بن ثاني بالدولة العثمانية قدمه الدكتور زكرياقورشون رئيس قسم التاريخ في جامعة مرمرة في إستانبول ومتخصص في التاريخ السياسي للشرق الأوسط. عضو جمعية التاريخ التركي وجمعية التاريخ العسكري التركي ورئيس جمعية الباحثين في دراسات الشرق الأوسط وأفريقيا في تركيا. ندوة المؤسس، احتفالات اليوم الوطني 2008

أعتلى السلطان عبد الحميد الثانى العرش سنة 1876م، وهو يعد واحدا من أهم دهاة السياسة في التاريخ الحديث، قد أدرك أهمية الشيخ جاسم وسياسته في فترة وجيزة، ولهذا السبب لم يهتم بالشكاوى المستمرة التى قدمها موظفو البصرة والأحساء والتقارير التى قدمها الإنجليز بصفة مستمرة ضد الشيخ جاسم، وعلى الرغم من تحريض الانجليز وأصحاب المصلحة من الموظفين في بعض الاحيان، لم يقع السياسيان الذكيان في هذا الفخ، ويمكننا مشاهدة هذا الأمر في العديد من الأحداث، وعلي سبيل المثال فقد شكا والى البصرة الشيخ جاسم إلى السلطان عبد الحميد بسبب التدابير التى أخذها بعد الخلافات التى ظهرت بين تجار المنطقة وأهالى قطر سنة 1883 م، ولكنه لم يحصل على نتيجة من هذه الشكوى، وفي السنة التالية لما عزم الشيخ جاسم على الذهاب إلى الحج، عرف والى البصرة أن هذه فرصة واقترح تعيين قائمقام آخر في قطر أثناء غياب الشيخ جاسم وانشغاله في فترة الحج، ولكن السلطان عبد الحميد الثانى رفض هذا الاقتراح، غير أن أصحاب النوايا السيئة لم يكفوا عن إرسال الأكاذيب والمعلومات الخاطئة عن الشيخ جاسم إلى استانبول، وبعد ذلك حدثت مباحثات طويلة في مجلس شورى الدولة في استانبول سنة 1886م، وظهر منها أن كل المعلومات كانت خاطئة، وقُدم تقريرًا طويلاً إلى السلطان، وبعد هذا عزل السلطان عبد الحميد الثانى نزيه بك الذي قدم تقارير ضد الشيخ جاسم، وأظهر مقدار ثقته في الشيخ جاسم.


وهناك مثال آخر يظهر أن العلاقة بين السلطان عبد الحميد الثانى والشيخ جاسم كانت قائمة على التقدير والتوقير، فرغم شكاوى الموظفين في المنطقة الذين اقنعوا متصرف الأحساء بتقاريرهم الزائفة التي رفعها بدورة إلى استنابول حيث كانوا يتآمرون بشدة لعزل الشيخ جاسم، لكن السلطان عبد الحميد الثانى الذى فحص هذا الأمر قد أصدر في هذه المرة قرارًا لصالح الشيخ جاسم، وحتى يظهر السلطان عبد الحميد تقديره لدهاء الشيخ جاسم السياسي، منحه رتبة مهمة وهى رتبة «قبوجى باشى» التى تعطى لأكابر الدولة وعبر له عن تقديره لشخصه.
إن المثالين السابقين يوضحان أن الشيخ جاسم كان رجلا من رجالات الدولة العثمانية لا يمكن الاستغناء عنه، لاسيما أنه قد حدث خلاف بين الكثير من أمراء المنطقة والدولة العثمانية في فترات مختلفة وكان هذا سببا في حدوث وقائع أليمة.

 


لقد نجح الشيخ جاسم بن محمد بن ثاني في عمل توازن بين الدولة العثمانية والإنجليز ، فهو يختلف عن الزعماء الآخرين الموجودين بالمنطقة فهو لم يسلم قيادته إلى الإنجليز مطلقاً، و لهذا، أصرت الدولة العثمانية على التعديلات التي تحقق الاستقلال لقطر في المعاهدة العثمانية الإنجليزية سنة 1913م رغم معارضة الإنجليز الشديدة لها.

 


وطبقا لإفادة كل الشهود الذين عرفوا الشيخ جاسم شخصيا فإنه كان شخصا شجاعا كريما ورحيما يتصف بالصفات المطلوبة في أي أمير، ولكن يجب ألا ننسى أن الدولة العثمانية لم تهتم بتلك الصفات فحسب، بل اهتمت بسياسته ودرايته العميقة بشئون المنطقة، حيث كان له دور في الأحداث التي وقعت في المنطقة إما بالوساطة لدى الدولة العثمانية أو بمنعها من التدخل المباشر، وهكذا منع سفك دماء الكثير من المسلمين وحمى شرف خليفتهم، ولقد عاصر الشيخ جاسم ثلاثة من سلاطين الدولة العثمانية، ونال تقدير كل منهم، فهو واحد من الأمراء النادر وجودهم، ولا جرم في أن أساس سياسته كان وسيلة لظهور دولة قطر الحديثة، ففي الاتفاقية الإنجليزية- العثمانية التى عقدت سنة 1913 م والمنظمة لشؤون خليج البصرة (الخليج العربي)، كانت إمارة قطر هى الإمارة الوحيدة التى دافعت الدولة العثمانية عن حقها في تقرير مصيرها، واضطر الإنجليز لقبول هذا، ذلك لأنه كان هناك اعتقاد بأن شيخ قطر وشعبه لديهم القدرة على القيام بهذا الدور. وبتعبير آخر فإن هذا الإصرار العثماني قد هيأ الظروف لظهور دولة قطر الحديثة علي الساحة الدولية.

 

.