تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

مادة منقولة من بحث بعنوان "موقف الشيخ جاسم بن محمد بن ثاني من التنافس العثماني البريطاني" أعده الدكتور عبدالقادر بن حمود القحطاني (أستاذ مشارك) في كلية الآداب والعلوم- جامعة قطر لندوة المؤسس، بمناسبة احتفالات اليوم الوطني 2008.

فتح المؤسس الشيخ جاسم بن محمد بن ثاني رحمه الله قلبه وبلاده للدولة العثمانية وسمح للحامية العثمانية بدخول البلاد في يوليو 1871 إيمانا منه بالخلافة والجامعة الاسلامية ولصد النفوذ البريطاني المتزايد في ذلك الوقت. وقد لجأت بريطانيا إلى خلق الكثير من المشاكل للشيخ جاسم، مع جيرانه، ومارست الكثير من الضغوط عليه؛ فتارة تتهمه بالقرصنة البحرية، وتارة أخرى تتهمة باضطهاد رعاياها التجار ، ولكن كل تلك الضغوط لم تثن الشيخ جاسم عن سياسته مع الدولة العثمانية، ورفضه الحماية البريطانية، وبدلاً من أن تقوم الدولة العثمانية بتوثيق علاقتها بحاكم قطر الشيخ جاسم، وتقف إلى جانبه ضد المخططات البريطانية التي تستهدف القضاء على علاقة البلدين قطر والدولة العثمانية، عملت على تخريب العلاقات مع الشيخ جاسم بالقيام ببعض الاستحداثات التي لا تخدم المصلحة الوطنية تمثلت في إنشاء دائرة للجمارك وفرض الضرائب على التجار، وكذلك فرض الضرائب على بيع اللؤلؤ، وقد عارض الشيخ جاسم تلك الإجراءات العثمانية التي رأى أنها ستؤدي إلى زيادة الأعباء المالية على المواطنين وقد يدفعهم ذلك إلى الهجرة خارج البلاد. ولكن السلطات العثمانية أصرت على تنفيذ مخططها غير عابئة بما قد يترتب على الأوضاع المعيشية للمواطنين؛ لأنها كانت في حاجة للمال للإنفاق على قواتها العسكرية. وقد أدى هذا الإصرار التركي على تنفيذ سياستها إلى استقالة الشيخ جاسم من القائمقامية، وأبلغ والي البصرة محمد حافظ باشا في يناير 1893، بقراره بالاستقالة، ومع أن الوالي رفض الاستقالة وطلب من الشيخ الاستمرار في منصبه، فإن الشيخ لم يتراجع عن قراره، ونقل مقر إقامته من الدوحة إلى منطقة الضعاين، وبعد فترة انتقل إلى منطقة الوجبة. وصل والي البصرة محمد حافظ باشا، إلى الدوحة يوم 14 فبراير 1893، عن طريق الأحساء بدعوى إعادة الأمن في قطر إلى نصابه، واتخذ من القيادة العثمانية بالدوحة مقراً لإقامته. وبعد وصوله بعث برسالة إلى الشيخ جاسم الموجود في منطقة الوجبة، يدعوه للحضور إلى مقره للاستفسار عن الشكاوي التي تلقاها ضده من الإنجليز وغيرهم، لكن الشيخ الذي كان غير مطمئن لنوايا الوالي العثماني، اعتذر عن عدم الحضور قائلاً في رسالته الجوابية أن صحته لا تسمح له بالحضور وأنه قد أناب عنه أخاه الشيخ أحمد . ولكن الوالي اعتبر عدم تلبية الشيخ جاسم لدعوته بمثابة رفض وتمرد على الدولة العثمانية، فأقدم على اعتقال الشيخ أحمد والمرافقين له وعددهم 16 شخصاً. وفي يوم 13 مارس 1893، قاد الوالي العثماني قوة كبيرة وتوجه صوب الوجبة بقصد إلقاء القبض على الشيخ جاسم وتقديمه للمحاكمة، ولكن الشيخ جاسم كان قد علم بالاستعدادات التركية وبتحركها نحو مقره، وأعد قواته وزودها بالسلاح والذخيرة والمواد الغذائية والمياه، ووضعت في مواقع مهمة على الطرق التي سوف تسلكها القوات التركية، ونجحت خطته حيث وقعت القوات التركية في مصيدة قواته وأنزلت بالقوات المعتدية هزيمة ساحقة بعد معركة شرسة استمرت من الساعة العاشرة صباحا حتى الخامسة مساء، قتل فيها عدد كبير من القوات العثمانية كان يوسف أفندي قائد القوات العثمانية من بين القتلى، وفر الوالي محمد حافظ الذي كان في مؤخرة قواته إلى الباخرة التركية المريخ الراسية في ميناء الدوحة.


وكانت أهم نتائج معركة الوجبة أن سارع السلطان العثماني بعزل والي البصرة حافظ باشا بسبب سياسته الحمقاء التي ألحقت المهانة بالدولة العثمانية على نحو لم يكن مقدراً مما كشف عن فشل سياستها لذلك لم تلبث أن أجرت تحقيقاً، انتهى بأن قرر السلطان عبد الحميد تقديره لشخص الشيخ جاسم بن محمد حق قدره، لتوضيحه موقفه وتمسكه بالدولة العثمانية رغم كل ما حدث.

 

.